اراء واقلام

ياسر عرفات ثورة فى رجل وقائد فى امه – عباس زكى

تجادل مع التاريخ فاعتمد البندقية ضمان لكبريائه الوطني، ورد الاعتبار والخلاص لشعبه المظلوم الذي اصبح لاجئاً موزعاً على طول وعرض الكرة الأرضية بعد النكبة السوداء، التي حلت بشعبه عام 1948 وقيام دولة الكيان الصهيوني التي واصلت القتل والتدمير والتوسع طامحة بأن تكون من الفرات الى النيل، وكان الأكثر أهمية في حياته سرعة استحضاره لعزيمة الأجداد الأوائل، والاستقواء بقدرتهم على التصميم بروحه الثائرة كلما حاصرته جيوش الردة والاستعمار، او طوقت جيشه المؤامرات والدسائس كان يعرف ان فردوسه المفقود يعيش فيه، فيتفاءل بالقدس مسرى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وعروجه الى السماء، ومهد السيد المسيح عليه السلام.  يخرج احيانا من حرارة الأغوار والنقب ويلقي بأحماله على رطوبة البحر وشموخ الجليل، يتفيأ قليلاً تحت عباءة حرمون، ليستعيد في وجدانه جدل الأرض مع المناخ، وجدل الإنسان مع البيئة، وجدل العرب بعيداً عن ثقافتهم ودورهم في تبديد ما يملكون عبثاً، ودون أن تفارقه السخرية من قوة الاحتلال وبطشه، ثم يعود ويقول، فلسطين الرقم الصعب والأرض، تقاتل مع أهلها رغم برودة الجغرافيا من حول من يقاتل والاعتراف بمراحل الصقيع العربي، والانحياز لأميركا الحليف الاستراتيجي لإسرائيل. إنه بالنسبة للفلسطينيين كديغول للفرنسيين، وكاسترو لكوبا، وهوشي منه لفيتنام، ومانديلا لجنوب افريقيا، وماوتسي تونغ للصين، فاستحق أن يكون قائدا للثورة العالمية بتسلمه راية الثورة الفيتنامية، التي انتصرت على الفرنسيين والأميركان الذين امتلأوا رعبا من بطولات الفيتناميين. كان هو الاسم الحركي لفلسطين، وسيبقى هو فلسطين في كل مناخاتها وكل فصول تاريخها وأديانها، وكل الوان أزيائها وثقافتها وإنسانها، يخضر ويزهر في كل لحظة كما هي اشجار الحناء في دروب الثائرين، كان رمز وطنيتها وبصمة اهلها على ابواب الدول والشعوب والمدائن والقارات عُرفت فلسطين به ومن خلاله واحبها الناس واحبوه من اجلها، وكرموه واستأمنوه على حمل راية الثورة العالمية، فحملها بأمانة المسؤولية في مؤتمر الشباب العالمي ببرلين عام 1973 مزهوا باستلام راية فيتنام التي هزت العالم في حينه مثلما استأمنته فلسطين على نفسها، وبالتالي جعل من عدالة قضية فلسطين الخط الفاصل بين المناضلون من اجل الحرية والحياة، وبين من يعتدون عليها ويغتصبون حقوق الغير بالقوة والإكراه المسلح، وينهبون ثروات الشعوب المضطهدة، وخيرات بلدانهم، ويزجون بشعوبهم في زرائب المرض والفقر والجوع والمقابر الجماعية والفناء ،حيث كان على الصعيد الكوني بحجم حضارة الشرق وإنسانيتها وتسامح أديانها. أبو عمار قادر على تحويل الضعف الى قوة، وتحويل القوة الى نبوءات لعالم جديد يولد في ارض السلام، يراه الناس بعيدا ويراه ياسر عرفات اقرب الى القلب من حبل الوريد، اختار مصطلح النفق المظلم الذي يشع في نهايته بالأضواء، ذو بصيرة ثاقبة لا تعجزها الهزائم، عاش مؤمنا الى حد اليقين بقدرة الفعل المحلي على تغيير الفعل الدولي باتجاه الحق والعدل مردداً دوماً ان العالم لا يسمع من ساكت، وصواعق قنابلنا هي التي تفجر إرادات الأحرار من شعبنا وتحدد مكانتنا على كل صعيد. ومضى بقوة واقتدار داعما الثورات الوطنية التحررية في كل مكان، وجاعلا من الهوية الوطنية الفلسطينية هوية وطنية لكل أبناء امته في الساحة العربية، ولكل الأحرار والمناضلين بالعالم ولم يكن غريباً في منهجية ياسر عرفات الفكرية والسياسية ان يلتقي في معسكر حركات التحرر مناضلين ينحدرون من مئة وخمسين أمة، ويتفق في ذلك المعسكر أبناء جبهة تحرير عربستان مع أبناء الثورة الإيرانية، ويعدون العدة سويا لإنهاء حكم الشاه، حيث كان الى جانب ايمانه بضرورة حل قضايا الامة العربية العالقة مع الجوار بالوسائل السلمية في إطار علاقات حسن الجوار، وتفعيل العلاقة مع أطراف قوى التحرر والانعتاق داخل الشعوب المجاورة. أبو عمار يتمتع بفكر استيعابي مستنير لكل ما يحيط بالقضايا العربية وقضية فلسطين من تداخلات وتعقيدات، وكان الأهم في حياته ان لا يكون حليفاً لأعداء قضيته الوطنية والقومية، وان يبتعد بالثورة الفلسطينية التي يقودها عن الفكر التآمري الانتهازي، والمواقف والتصرفات الانتهازية التآمرية ضد قضايا الشعوب المناضلة والصديقة، ولم يكن فقط هو السهل الممتنع الذي يجيد الصمت وقت الضرورة ويجيد القول والفعل وقت الإفصاح، بل كان منحاز للحق والحقيقة ومدافع عنهما في كل الأحوال والظروف، صلباً وحاداً عندما يكون الحزم هو الموقف، رغم عمق الجراح وهو يرى تناثر جثامين اللذين أحبهم رفاق المسيرة مع غبار القذائف، وليناً مرناً عندما تكون الضرورة هي الخيار، لإدراكه ان بين الصلابة والليونة خط القوة الفارقة بالتاريخ التي قد لا تكون بين يديه الطاهرتين وقت التوازن بين الخيارات وفي ظل العواصف التي تحيط به من كل صوب. اعتبر مخيمات اللجوء والشتات وعلى امتداد كل الوطن العربي الكبير جغرافيا الثورة للرد على الجغرافيا الكافرة التي أهانت فلسطين عام 1948 وأهانت الدول والجيوش العربية مرة أخرى عام 1967 وأفقدت الأمة العربية القدرة على احتواء العدوان، او الثبات على الأرض أثناء مجرياته، فتجاوز سايكس بيكو في حركة وتنقلات الفدائيين عبر الحدود، وفتح الطريق أمام الجماهير لاستملاك ضميرها الحي وإرادتها الوطنية الخلاقة في الرد على العدوان، وإفشال أهدافه، التي كانت تقتضي استسلام الأمة العربية أو إخضاعها الى  شروطه، فاستأنف الصراع مع العدو المحتل للأراضي الفلسطينية والعربية على أسس جديدة. وكان لانتصاره في الكرامة الدور الأساس في تحطيم حدود سايكس بيكو، فلم يستخدم الفدائي الفلسطيني جواز سفر للتنقل بين عمان ودمشق وبغداد والكويت، فكانت ورقة صغيرة تحمل اسم ذلك الفدائي، وشعار فتح مكتوب عليها “يسمح للمناضل…. بالمرور إلى دمشق او بغداد …. يرجى عدم معارضته وتسهيل مهمته… تكفي ليتنقل ذلك الفدائي بين العواصم العربية دون حدود! أليس هذا أساسيا ومهما في التغيير الايجابي بالروح الوثابة لجماهير الأمة؟ واعتراف الزعماء الكبار بجدوى مسيرة فتح التي وصفها الزعيم الخالد عبد الناصر، بأن فتح هي أنبل ظاهرة وجدت لتبقى … ورد عليه حادي المسيرة عرفات بقوله: لتبقى ولتنتصر يا سيادة الرئيس، إنها الإسهام الحقيقي في انتصارات الأمة التي حدثت بعد ذلك سيما انتصارات أكتوبر المجيدة، وما تلاها من تصعيد في الكفاح الوطني الفلسطيني وكفاح امتنا على جميع الساحات والميادين، حيث وصفها المؤرخ البريطاني آرنولد توينبي بقوله إن فتح لا ترسم خارطة فلسطين فحسب، وإنما ترسم خارطة الشرق الأوسط. لقد كان ياسر عرفات هو الساهر دوما على الميادين ،والقادم الى كل ساحات القتال والثورة على ظهر جواد من نور الشمس والكواكب لا تخيفه الإخطار والنوائب ،ولا تهزه الرياح والعواصف، وكلما كانت ترتفع غربان موتهم لإخافته من السماء،كان ينظر اليها من الأعلى بمزيد من السخرية والاستهزاء وهو يردد يا جبل ما يهزك ريح لإيمانه بان العلو والارتفاع في التاريخ ما هو الا للحق والعدالة الإنسانية ،ولن يكون يوما في طائرات الموت وقذائف القتل والدمار، كان يؤمن بأن انتصارهم عليه بالجغرافيا هو انتصاره عليهم بالتاريخ، هذا فضلا عن عدم إغفاله بضرورات حماية جغرافيا الثورة، وصون وحدة واستقلال الأقطار العربية ومنع إشاعتها للفوضى الداخلية المدمرة والخنادق المتقابلة بين الجيران، تمهيدا لاستباحتها من قبل أعداء الأمة الطامعين في ثرواتها وترابها الوطني الطهور كما هو إلى اليوم.  كان ياسر عرفات يرى في حال صراع بين بلدين من الأشقاء، وخسر كل منهما دبابة ،فإن فلسطين تخسر دبابتين باعتبار فلسطين القضية المركزية، وباعتبار فتح فلسطينية الوجه عربية العمق والامتداد عالمية الجذور والأبعاد. حرص على إقامة أوثق العلاقات وأشرفها بين جغرافيا الثورة على امتداد الوطن العربي الكبير، وحكومات وشرعيات الدول العربية على قاعدة التضامن العربي مع فلسطين ،واحترام ميثاق الجامعة العربية، فأصبحت فلسطين عضواً كامل لعضوية فيها ،وعمل على تفعيل وترسيخ اتفاقيات الدفاع العربي المشترك، وذلك جنبا الى جنب مع دور ونشاط الجبهة العربية المشاركة والمساندة للنضال الفلسطيني، وضمان تدفق المناضلين العرب الى ساحات القتال وفصائل العمل الوطني الفلسطيني.  أما على صعيد العلاقة برفاق السلاح والفصائل الوطنية الشقيقة، فقد تصرف ياسر عرفات كزعيم تاريخي لثورة شعب مناضل، وليس كزعيم لحركة فتح التي شقت طريق العوده وأصبحت العمود الفقري لمنظمة التحرير الفلسطينية فرفع شعار دع ألف زهره تتفتح ولكن في بستان الثورة، ورحب بأي فصيل تحت شعار أنه ينتصر لفكرتنا الفتحاوية، وتعاطى مع المناضلين تنظيمات وأفراد، على قاعدة القوانين والأنظمة الوحدوية السارية في منظمة التحرير الفلسطينية، ودون تمييز بين فصيل أو مناضل وآخر، فكان هو المرشد والمعلم والعادل في تطبيق القوانين الفلسطينية وعلى أرضية قانون المحبة، الى جانب دوره كأب يحب أبناءه جميعا ويحافظ على هيبتهم واستقامتهم في النضال الوطني الفلسطيني، فلم يغلق بابه أمام أصحاب السؤال عن الحاجة ولم يشح بوجهه عن أصحاب الحقوق، عاش ناسكا صوفيا في حب أبنائه المناضلين، وأقام لهم ديمقراطية الثورة التي سماها ديمقراطية غابة البنادق وتعاطى بإخلاص مع قانون المحبة، لإيمانه بان الحرية لا يصنعها الا المناضلون الأحرار القادرون على التصرف بإرادتهم الحرة في كل الأحوال والظروف، وكان يردد أنا بين فرسان ولا أقود نعاجاً، يتباهى بحملة الشهادات العلمية، يتباهى بالكفاءات الفلسطينية ودورها في البناء أينما حلت، ودورها في التطور والنهوض، يتباهى  ببطولات شعبه ويردد ” أغبط نفسي أن انتمي الى شعب اكبر من قيادته، هذا الشعب الذي إذا ما فقد الأمل صنع المعجزات”. اختار نشيده الوطني لآخر فصول حياته مبشراً ونذيرا لقومه وأحرار العالم بالمخاطر المحدقة بالقدس فأنشد ” على القدس رايحين شهداء بالملايين ” وجسّد إيمانه بتقديم حياته على مذبح الحرية وبما يليق بالقدس، وهو يردد اللهم أطعمني الشهادة يا الله، هم يريدونني قتيلاً أو أسيرا او طريداً … وأنا أقول لهم شهيداً … شهيداً … شهيداً، هنا يهدي الله من يحب لينغرس في الأدمغة والأفئدة ، كانت محاولاتهم لإخافته ودفعه للهرب تاركاً عرينه في المقاطعة الى المجهول ، فيلاحق ويقتل وهو متخفيا وبشكل لا يليق ببطل خبرته المعارك، وتعاقد مع الموت وهو صاحب قرار الصمود في معركة الكرامة لو ادى بالموت خيراً من الهروب، هذا الصمود الذي رفع هامات العرب بالتحام الجيش الأردني مع الفدائيين، واستعاد بذلك التحام الجيش الأردني مع الفدائيين في الكرامة الشرف العسكري العربي الذي استمر وانتصر في حرب الاستنزاف وحرب أكتوبر عام 1973 وتعالت صيحات ” وحدّنا الدم يا كرامة وحدّنا الدم ” ولنتذكر ما قاله وزير الجيش الإسرائيلي آنذالك موشي دايان الذي كان يعتبر جيشه أسطورة التفوق ، ويرى حركة فتح كالبيضة في يده يحتاج إلى شيء من الضغط لكسرها ، بقرار القائد وصحبة الأبرار الذين كانوا على غاية كبيرة من الشجاعة والوعي ،تم تجاوز قانون حرب العصابات فكان الصمود أمام الدبابات وقصف الطائرات هو الذي صنع الانتصار استناداً لتصريحات وزير دفاع العدو ماذا افعل اذا من هم أمامي قد قرروا الموت ، والله لو فعلوا عكس ذلك لانتصرنا. ابو عمار ترجل جسداً وانغرس بالذاكرة والوجدان، كما ان الكبار خالدون، ورغم الرحيل الأبدي لا يموتون. فإلى روحه التحية ولتاريخه وشخصه ترفع القبعات. *عضو اللجنة المركزية لحركة فتح – عباس زكى

اظهر المزيد